أخبار عاجلة

فريسكا

✍️ بقلم: احمد توفيق النويجى

قالَ لي أبي ذاتَ يومٍ “إن العملَ الدؤوبَ هو الطريقُ إلى النجاحِ، فمَهْمَا شَعَرْتِ بتعبٍ وإرهاقٍ فتذكَرِي أنكِ على الطريقِ الصحيحِ”.
رحلَ أبي، وتركَنِي وحيدةً في هذا العالمِ الكبيرِ ولمْ تَرحلْ كلماتُه التي حُفِرَتْ في ذاكرتِي، و ها أنا على شاطئِ البحرِ أعْزِفُ كلماتٍ أجذِبُ بها روادَ الشواطئِ و محبِي الاسترخاءِ على نغماتِ الأمواجِ لكي يشترِيَ أحَدُهُم ما أمْتَلِكُ من حَلْوَى الفِرِيسْكا.

مرَّ أحدَ عَشَرَ عامًا معَ والِدِي،
كنتُ أَتَجَوَّلُ خلالَها معَه هُنا وهُناكَ على شاطئِ البحرِ وهو قابضٌ بأصابعِهِ اللَّيِّنَةِ على مِعْصمِي الضعيفِ، والآنَ وبعدَ مرورِ عامينِ على رحيلِه واجَهْتُ فيهمَا الكثيرَ مِنَ الأسَى في تلكَ الحياةِ البائسةِ فلا أبٌ ولا أمٌّ ولا صديقٌ ولا قريبٌ، ولكنَّني أسيرُ في هذا الدرْبِ على ما غَرسَه أبي في نَفْسِي من حُبٍّ للعِلْمِ و التعلُّمِ؛ فهي صورةٌ من وصاياهُ وعَطِيَّةٌ من عطاياهُ، فكانَ كثيراً ما يحدِّثُني عن العلمِ و أنه سببُ رفعةِ شأنِ صاحبِه وسببُ تقدمِه نحوَ الأفضلِ.

فأنا أقرأُ كثيراً حتى كَوَّنْتُ حصيلةً ثقافيةً لا بأسَ بها، و هذا لا يكفي بل ينبغي السعيُ نحوَ بُلُوغِ هدفِ والدِي رحمَهُ اللهُ،
و إنْ سألتَ عنْ مأوايَ ففي هذا الكُوخِ الصغيرِ على نَفْسِ شاطئِ البحرِ. فهوَ بمثابةِ الصديقِ الذي أتحدثُ إليه. فإذا ما جَنَّ الليلُ أَسْرِدُ له ما حدثَ في يومٍ طويلٍ شاقٍّ أبيعُ سِلْعَتِي فأحْصُلُ على قوتِ يومي، وأتَعَلَّمُ حتى أَُدْرِكَ هدَفِي، وبينما أُقَلِّبُ صفحاتِ كتابٍ بيدِي تَنَهَدْتُّ، وعبَسَ وجهِي، ثمَّ سالتْ دُمُوعي الدافئةُ حينَ تجَسَّدَ أمامي هذا المشهدُ: أطفالٌ يستمتعونَ برفاهِيَةِ الحياةِ تلتقِطُهُمْ أُمَّهاتُهم فتعلو أصواتُ ضَحِكَاتِهم، لا يحملونَ همَّ غدٍ؛ لأنَّ آباءَهُمْ قد أَعَدُّوا لهمْ مستقبلاً تكتملُ به سعادتُهم وأنا غارقةٌ في مشهدي هذا حتى جفَّتْ دموعِي، وذلك حينَ تَذَكَّرْتُ كَلِمَاتِ أبي، وهُنا أقْسَمْتُ أنْ أكُونَ ذاتَ شأنٍ في المُسْتَقْبَلِ.

“فريسكَا” أحبُّ هذه الكَلِمَةَ كثيراً؛ فأنا أكسِبُ قوتَ يومِي منها، وإذا عُدْتُّ إلى كُوخي وأسْدَلَ الليلُ أستارَه قُمْتُ في جَوْفِه أدعو اللهَ أن يمَهِّدَ لي طريقي حتى أبْلُغَ ما رَجَوْتُهُ يومًا، ومعَ إشراقةِ شمسِ يومٍ جديدٍ أََصِيحُ في فَرَحٍ: فريسكا، أقولُها و أنا مفعمةٌ بالحيويَّةِ و النشاطِ ،أتحرَّكُ على الشاطئِ مثلَ نسماتِ الهواءِ أُُعُانقُ السعادةَ، فها أنا حَصَلْتُ على قوتِ يومي و أثناءَ عودتي إلى كوخِي الصغيرِ إذْ بِرَجُلٍ يشيرُ إليَّ مِن بعيدٍ، فظنَنْتُ أنه يريدُ فريسكا، فلوَّحتُ لَه أنها قدْ نفِدَتْ، فعادَ يشيرُ فلا بدَّ مِنَ الذهابِ إليهِ إذَنْ.فلما جِئْتُهُ قالَ: ما اسمُكِ؟ قلتُ: فريسكا، فابْتَسَمَ وقالَ: أتحبينَ عملَكِ؟ قلتُ: نعَم، قالَ: هذا أمرٌ رائعٌ ثم قالَ: أيُمْكِنُكِ أن تُحَدِّثِيني عنكِ قليلاً ؟ نظرْتُ إليه في عَجَبٍ وقلتُ علي الرَّحْبِ والسَّعَةِ. اختصَرْتُ له ما أرادَ في بضعِ كلماتٍ، وما إن انتهيتُ من حديثِي عن نفسِي حتى غَمَرني شعورٌ بالسعادةِ، فقد شَعَرْتُ أنَّ الحياةَ ستَفْتَحُ كلَّ مَوْصِدٍ في وجْهِي وأنَّ حُلْمي على بُعْدِ خُطُواتٍ من تحقيقِه، ولكِنَّهُ قطَعَ حبلَ خيالِي بقولِهِ “أنا هُنا في عُطْلةٍ لمدةِ ثلاثينَ يومًا سوفَ أُعَلِّمُكِ خلاَلها بعضَ كلماتِ اللغةِ الإنجليزيةِ تُؤَهِّلُكِ لدراسةِ هذه اللغةِ بشكلٍ أفضلَ في المستقبلِ؛ ففي وجهِكِ علاماتُ النبوغِ المُبَكِّرَةِ”.

وما إن سمعتُ تلكَ الكلماتِ التي سقطَتَ على مسامِعِي إلا وَقَدْ انْشرحَ لها صدرِي طَرَبًا. تركتُهُ ووجَّهْتُ ابتسامةً و بينَ ضُلوعي سعادةٌ، أَقْفِزُ طُوالَ الطريقِ المؤدِّي إلى كُوخِي أنتظرُ قُدُومَ غَدٍ. طالَ الليلُ كثيراً على غيرِ عادتِهِ و ما إن أشرقَ نورُ الصباحِ حتى أَخَذْتُ بِضاعَتي الجديدةَ أحْمِلُها و أُنادِي بأعلى صوتٍ “فريسكا” أبيعُ لهذا و أبتسمُ لذاك حتى أتتْ أفضلُ ساعاتِ اليومِ و هي وقتُ الغروبِ، ذهبْتُ إلى ذلكَ الرجلِ لكي يعلمَني كما وعدَني ويا لَهُ من إحساسٍ رائعٍ و أنا أتعلمُ بعضَ الكلماتِ؛ أردِّدُها في اليوم التالي أمامَ الناسِ بِفَرَحٍ وسعادةٍ وهكذا، مرَّ ثلاثون يوماً أتعلمُ فيها بسرعةِ البرقِ إلى أنِ اجْتَمعَ الضِّدانِ: فَرَحِي بما تعلمتُهُ وحُزْنِي لانتهاءِ مدةِ إقامتِه. أشْرقَتْ شمسُ ذلكَ اليومِ وكأنها تغرُبُ في أسىً وحُزنٍ.
“فريسكا” لم أَعْتَدْ على سماعِ تلكَ الكَلِمَةِ؛ فأنا مَنْ أطْلَقْتُها فقطْ، وظهر أمامي فجأةً وقال “لقدْ حانَ موعدُ الرحيلِ و سوف تأتينَ معي و قدْ أنهَيْتُ الإجراءاتِ كافَّةً، فوِجْهَتُنَا إنجلترا، أمامَكِ بعضُ الوقتِ لِتُوَدِّعِي فيه الشاطئَ”. لَمْ أفَكِّرْ حتى في حديثِه، فتوجَّهْتُ إلى بحرِ الإسكَنْدَرِيَّةِ أُوَدِّعُهُ و ما بهِ مِن جمالٍ يَسْحَرُ العُقُولَ. سماؤُهُ الصافيةُ، ورمالُه المُبْهِجَةُ، ولا أنسى ذلكَ الصديقَ العزيزَ كُوخِي الصغيرَ. تأهَّبْتُ للمغادرةِ مُلَوِّحَةً بيدي إلى الشاطئِ عاقدةً العزمَ أنْ أعودَ إليهِ يومًا ما وأنا ذاتُ شأنٍ عظيمٍ.

رحَّبَتْ بي أرضُ إنجلترا؛ فقدْ أعطَتْنِي الكثيرَ من علومِها فَهَا أنا أدرُسُ في إحدى مدارسِها الجميلةِ. مَرَّتِ السَّنَوَاتُ ومَعَها أصْبَحْتُ أكْثَرَ نُضْجًا، وأوسعَ فِكْرًا، وأرسخَ عِلماً وأنا بعيدةٌ عن أرضي وعن شاطئِ البحرِ، وها أنا اليومَ أقِفُ على مِنَصَّةِ التتويجِ؛ إذ إننِي حقَّقْتُ حُلْمَ أبي فقدْ حَصَلْتُ على الدُّكتوراةِ في علمِ الاجْتماعِ ،بدأَ جُمْهُورُ الصَّحَفِيِّينَ يُطْلِقونَ الأَسْئِلَةَ وأنا أُجيبُ في ثباتٍ وثِقَةٍ إلى أن جاءَ هذا السؤالُ: سَيِّدَتي، كثيرٌ مِنَّا يعلمُ قصتَكِ فبدون تفاصيلَ من أنت؟ أجَبْتُ: أنا بائعةُ الفِريسْكَا التي أَقْسَمَتْ أن تكونَ ذاتَ قيمةٍ.

انتهتْ فترةُ إقامتِي و تعليمِي في إنجلترا وها أنا أتهيأُ للعودةِ إلى وطني العزيزِ فعلى بوابةِ المطارِ كانتِ اللَّحظاتُ الأخيرةُ بينِي وبينَ مَنْ أَحْدَثَ التغييرَ في حياتِي فقد جعلَ لي حياةً جديدةً. “ابنتي” قالَها وهُو يبتسمُ “قدْ مَرَّ العُمُرُ سريعًا وجَمَعَتْنا الصُّدفةُ؛ يا ابنتي لقد حقَّقْتُ حُلْمي مِن خِلالِكِ فَبِكِ أَثْبَتُّ أنَّ الظروفَ التي نَنْشأُ فيها تفرِضُ علينا بعضَ القُيُودِ التي تُعِيقُنَا حَتْماً عنْ تحقيقِ أهدافِنا،فنحنُ نستطيعُ ولكنَّ التحديَّاتِ أحيانًا تكونُ أَعْظَمَ، أتمنَّى لكِ حياةً سعيدةً،أُذْكُرِيني بخيرٍ”.

انتهى الحديثُ بينَنا و لم ينتهِ صَوْتُه وأَقْسَمْتُ ألَّا أنساهُ ما حَيِيتُ فهو أبِي الثاني بعْدَ أبِي ودَّعْتُ الأرضَ التي عِشْتُ فيها فترةً منَ الزمنِ والتي شَهِدَتْ على نجاحي و استقبَلْتُ أُخرى،
ها هي الطائرةُ تهبِطُ على أرضِ مصرَ، أشْعُرُ بِرَجْفَةٍ تتخلَّلُ قلبِي، أتحَسَّسُ هواءَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ في كلِّ خُطْوَةٍ أَقتربُ مِنْ شاطئِ البحرِ باحثةً عن كُوخي الذي تحوَّلَ إلى أطلالٍ معَ مرورِ الزَّمَنِ. تذَكَّرْتُ كلماتِ والِدِي عندمَا قال “إنَّ العملَ الدؤوبَ هو الطريقُ إلى النجاحِ، فمهما شَعَرْتِ بتعبٍ و إرهاقٍ فتَذَكَرِي أنكِ على الطريقِ الصحيحِ”.

رحِمَكَ اللهُ يا أبي ،ها قدْ تحققَ حُلْمُكَ. فَلْتَسْكُنْ رُوحُكَ الطاهِرَةُ بسلامٍ، ثمَّ باشَرْتُ عملي الجديدَ في إحدى الجامعاتِ، وها أنا أسيرُ بخُطُواتٍ ثابتةٍ، فكلَّ يومٍ أُحَقِّقُ هدفًا جديدًا، وقَدِ انتهيْتُ مؤخَّرًا منْ كتابةِ روايةٍ اعْتَلَتَ مِنَصَّةَ التتويجِ؛ فقدِ اسْتَعْمَلْتُ أسلوبَ الأدبِ الإنجليزيِّ في صياغَتِها بالإضافةِ إلى اللغةِ العربيةِ التي جَعَلَتْها تَرْتَقِي، فَفَاقَتْ غَيْرَها حتى عُرِضَتْ في أبهى صورةٍ لَكَ رِوايةُ فِريسكا.

عن بسمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: